الثعالبي

41

لباب الآداب

الباب الثاني في الإخوانيات وما يتصِل بها ذِكْرُ المودَّة مَوَدّةٌ طالت بها المُدة فاستحكم غَرسُها ، وتمهَّد أُسُّها ، مَوَدَّةٌ تلوحُ عليها غُرَرُ الخلوص ، وتبدو فيها آثار الخصوص ، قد وقعت على مَودَتِه أجزاء نفسي ، وفَرَشتُ لمحبتهِ جوانب صدري ، وأمسكتُ على مُوالاتِه بيدي إنابة مُتحقِّق ، وبعروة ودِّه متعلق بيننا مَودَّة تتصل مدًّتها ، ولا تنقطع مادتُها ، قد اتخذنا المودَة بيننا ديناً وخَليقةً ، ورأيناها بين الناس مجازاً فأعدناها حقيقة ، وُدٌّ انتهى الصفاء إليهِ ، وقد بلغ أقصاهُ ، وعَهْدٌ خَيَّمَ الوفاءُ عليه فألقى عصاه . حُسْنُ المُخالَطة لا أحولُ عن عهدِك ، وإنْ حالتِ النجومُ من ممارِّها ، ولا أزول عن وُدَك ، وإنْ زالتِ الجبالُ عن مَقارَها ، بيننا عِصَمٌ لا تُنقَض ، وذِمَمٌ لا ترفض ، لي قلبٌ قريحٌ ، حَشْوُه وُدُّ صَحيحٌ ، وكبدٌ دامية ، كلُّها محبَّةٌ نامِيَة ، مودَتك شعارُ ضميري ، ومخالصتُك أغلبُ الأحوالِ على قلبي ، بيننا محبة لا تتميزُ معها الأرواح ، إذا ميزتِ الأشباح ، ومُخالصَةٌ لا تتباين بها النفوسُ والمُهَج ، وإن تباينتِ الأشخاصُ والصُّوَر ، نحن في المساعدة نحيا بروح واحدةٍ ، حال هي القربى أو أخَصّ ، وامتزاجٌ هو النفوس أو أمَس ، هو الأخُ بل وُدُه أًرسَخُ ، والعم بل اشتراكه أعمُّ .